لقد مرت بي الأيام مذ خروجي من الكهف، و الحكمة ما فتئت تكبر في قلبي فتزيدني ألماً باتساع آفاقها، لكني آليت أن أمضي في سفري نحو ذروة الذرى أتسلق رأسي أحياناً إن عزت المدارج.
إلا أن صوت إخوة لا أعرفهم ظل يطاردني:
يا من أبصرت النور…
أتراك نسيت أن في صخرتنا تمثالاً كاملاً… مثال الأمثلة!
أفيجدر أن يبقى ثاوياً في أشد الصخور صلادةً و إبهاماً؟
أم تُراك جبلت شحيحاً!
إن من يفرط في ادخار جهوده لا يلبث حتى يبتلى بالخمول.
و الحق أن وقع هذا الهاتف كان يشتد على روحي كلما ازددت صعوداً، حتى كان أشده على ساعة حديثي إلى الشمس، و التي بثت إلىَّ أشواقها و آمالها قائلةً:
لقد تاقت نفسي إلى تلك الصخرة التي غيبها أشد الكهوف حجباً لنوري، لقد مللت مداري و ضقت ذرعاً بشعاعي أرسله حرباً على كل بياض شتائيّ، أتراني يوماً أُرسل شعاعي حباً أبارك فيه مثال الأمثلة الكامن في تلك الصخرة!.
حينها اُلقي في قلبي حقيقة ما قُدر عليّ، و التفت إلى الوادي تحت قدمي.
آوّاه! أيها الغور السحيق أنا بسببك ناقم على نفسي، لو تطول يدي فأنقذك من أصفادك.
ها أنا عائد إليك ثانية، فقد علمَتني هذه الذروة أن العلى ما يبلغ مقامُه إلا انطلاقاً من المقام الأدنى.
إني أحبُكَ من صميم الفؤاد أيها الوادي فإن لي فيك إخواناً أتوسم أن يكونوا خير رفاق في المعارك، و ما أنا الآن إلا كما كنت في الأمس “جندي”، فكيف لي أن أطيق الحياة خارج جيش؟!
وهكذا بدأت رحلة نزولي إلى الوادي. و الحق أن الإحساس بالزمن لم يصاحبني في مسيري، فقد تملّك روحي شوق عظيم، و شعرت أن نفسي مُلأت فرحاً و أناشيد، فكنت أصيح في الوادي:
ها أنا قادم إليكم أيها الإخوة أحمل البشائر، فكل شيء يتشوق إليكم، و الهواء سيهب بالعطور نحوكم، و الغدران ستسارع لِلُقياكم، كل شي يتوق إلى معالجتكم و شفائكم من ذاك السبات الطويل.
و عند اقترابي من مقصدي لاح لعيني سواد أمام الكهف جعلني أنتفض انتفاضة من استولى عليه الذعر أو مسّه مارد، فقد رأيت قومي و قد خرج بعضهم من الكهف إلى ما يشبه السوق، فأخذت اركض تجاههم حتى أتبين حقيقة ما رأت عيني عن كثب.
فوجدت الناس و قد صاروا فريقين، فريق جذبه ضجيج السوق و هم الأعظم، و فريق رأى في السوق نادياً وسخاً يعكر النوم الهانئ للقابعين في الكف و يحيل مساحة الحلم الواسعة التي يستعيضون فيها عن ضيق المكان إلى كوابيس تشبه عذاب القبر.
لذلك أخذوا يقذفون السوق بالحجارة، و لما حاولت الاقتراب منهم وجدتهم يقتلعون تلك الحجارة من تلك الصخرة العظيمة فجن جنوني، و بدأت أصرخ:
ويحكم لقد قلت فيما مضى إن الدودة أحط كائن وجد على الأرض إذ تتخذ من أطيب الثمار و أحلاها مكاناً لوضع بيوضها.
وها أنتم تحطمون أنبل الصخور و أكثرها نفاسةً لتقذفوا بها إخواناً لكم، ألا ساء ما تفعلون.
لكن صوت الحال كان أقوى من صوتي، و ما إن انتهيت من كلماتي حتى بدأت أشعر ببرودة، فعلمت أن جسدي ناله من حجارتهم ما ناله، و أن لا جدوى من الحديث إليهم.
حينها مرت بمخيلتي رسوم الجبال التي تسلقتها و الكواكب التي ناجيتها، و البحار التي كانت تحت قدمي، و أخذت نفسي تستدعي كل ما يثير غرورها، و تقول ما لكَ و للمهاوي و الكهوف.
بُعداً لكَ يا شيطاني، إنني أقصد رفع أعلى التماثيل و أشرفها، فعليّ أن أهبط إلى مهاوٍ أبعدَ في أغوارها من كل ذروة رقيتها حتى الآن.
و هكذا استعادت روحي عزمها، فقررت التوجه إلى أهل السوق.
و ما إن وصلت باب السوق حتى استولى على نفسي حزن عميق، فقد أدركت أن كل شي صار صغيراً في بلدي، فحيثما أوجه ناظري لا أرى إلا صغيراً، فقد جعلوا للسوق باباً خفضت أرتاجه فإذا شاء مثلي الدخول توجب عليه الانحناء.
و الحق أن تلك اللحظة استدعت في عيني سيلاً من الدموع حبستها جَهدي، فقد أبت روحي أن أبكي في بلدي.
لكن قلبي أرسل إلى الآفاق زفراتٍ و كلمات:
ماذا جنيت لِأرغم على الإنحناء إذا ما أردت أن أكون بين قومي، أحس أن بلدي تنكرني، أحس أن قدمي الخشبية التي أتوكأ عليها تُوجع الطريق، تؤذي أحجار بلادي!
إلهي إن لم يكن بك على سخط فلا أبالي.
و بعد أن تصارع في نفسي داعي إقدامها و إحجامها، كان أن نَزَلت نفسي إلى شروط الواقع و قررت دخول السوق.
و لكني فوجئت بشيخ ينتصب بوجهي في الباب فاتحاً ذراعية يحاول صدي عن التقدم، و أخذ يخاطبني قائلاً ما الذي يضطرك إلى الإنغماس في أخبث سوقٍ للمعنى، فما لك أن تظفر هنا بشي بل عليك أن تفقد فيه الكثير.
فقلت من أنت و ما حكاية هذا السوق؟
فقال: أنا أعرفك أيها الفتى فقد خبرتك سنيّ صيرورتك، اربأ بنفسك يا فتى أن تدخل هذا السوق فقد بناه قوم لا كهف لهم إلا ظلام الليل وجوههم أقرب للقردة منها للإنسان.
هنا تُصهر أنبل الأفكار حتى تصبح مزيجاً مائعاً، لا يسمح في هذا السوق إلا للعواطف الجافة بأن تعلن نفسها، هنا تتحلل كل عاطفة نبيلة، هنا يمارس التجارةَ الأقل شاناً بين التجار، و يُدعى معلماً الأكثر عجزاً بين المعلمين، هنا ينشط ممثلو الغوغاء، هنا مذبح الأفكار.
أولست تسمع البيان الطليّ و قد استحال سفسطةً و سخائف.
حينها شعرت أن انقباضاً غريباً يسري إلى كل إحساسي دفعة واحدة، حتى خلت أنني فقدت القدرة على الإبصار لشدة ما حل بالمكان من ظلام، و لكني تبينت أن القمر عز عليه أن يرى ما أصابني فتوارى بين الغمام، فأخذت روحي تناجيه:
لا تذرني وحيداً أيها الصديق الحزين فلطالما كانت نظرتك اللطيفة سميراً لي في أشد الليالي حلكة.
تجلى يا صديقي فأنا الآن في أشد الأماكن وحشةً.
فجأة، صاح الرجل أوبكَ صممٌ أيها الفتى!
اربأ بنفسك أن تدخل هذه السوق، لخير لك أن تظل شريداً من أن تدخل جحيم الأفكار هذا.
حينها دفعت الرجل متجاوزاً و صحت به، اصمت فإن كلماتك تفسد عزمي، حتى و لو انطوت على ألف حقيقة.
وأخذت أطوف المكان مستكشفاً لعلني أسمع ما يزيدني حكمة، فوجدت الناس و قد تحلقوا كل فريق إلى ممثل أو خطيب، وقد كان الخطباء يرسلون بيانهم دخاناً و هديراً فوقع في نفسي للحظة أن أقوالهم مستمدة من غور الأمور، فأخذت ألقي شباكي في بحار بيانهم آملاً أن أصطاد خير الأسماك و لكني ما سحبت شباكي مرة إلا وقد علق فيها حجر أو حذاء قديم.
و مع هذا فإن اليأس لم يجد إلى نفسي سبيلاً، فقررت البحث عن منابر أفضل، و استرعى انتباهي رجل جمع إليه الحشد الأكبر، رأيته و قد اعتلى أعلى المنابر، يتلوى و يزمجر مرسلاً بيانه كالهدير، و لكنه لم يثر في نفسي إلا ما تثيره رائحة الجيف، فتملكني الفضول، كيف لمثل هذا الرجل أن يجمع إليه هذا الحشد الكبير!
فسألت رجلاً كان إلى جانبي من يكون هذا الخطيب؟
فحدجني بنظرة استغراب قائلاً هذا ممثل الشعب و قد بلغ من فن التمثيل أقصى ما يبلغه إنسان، فيمكنه أن يكون تلقائياً، تراجيدياً، هزلياً، أو حتى مخنثاً.
في تلك اللحظة انفجرت مخاطباً الناس:
ويحكم ألهذا خرجتم من كهفكم، لقد رأيت الشمس تواصل سيرها آملةً أن تشهد عظيم صنيعكم، و ها أنتم تتبعون القرود، إن الكلب نفسه لا يروم تقليد القرود.
لا أرى لكم شبيهاً إلا ذلك الغراب المفتون بمشية الحجل يحاول تقليدها، و بعد محاولات عسيرة و فاشلة انتهى به الأمر إلى نسيان مشيته.
كيف طاقت نفوسكم أن تكونوا غيركم؟
انتبه القوم إلىّ فأنكروني و صاح أحدهم كيف اندس هذا الغريب إلى سوقنا، لابد أنّه خرج من أقدم الكهوف و أظلمها.
أربأ بنفسي أن تنعتوني بالغريب أو بالخارج من أشد الكهوف ظلمةً، فما أنا إلا باصرةً لكم اعتلت الذرى، و ما جئت إلا حامل بشارة، و ها أنا أقول لكم، صحيح أنكم قصدتم النور بخروجكم من هذا الكهف و لكن ما فتئتم تتطلعون إلى ما يفعل القرود، فأقمتم سوقاً و مسرحاً على كهف، ظلمات بعضها فوق بعض.
انهال عليَّ القوم بأيديهم، ولكن أَنّى لتلك الأيدي الصغيرة أن تؤذي ضارياً مثلي، و هكذا قررت مغادرة السوق، و أثناء خروجي اعترضني ذلك الشيخ عند الباب ثانيةً، لحظتها بدأت أجيبه قبل أن يتوجه إلىّ بالسؤال.
فقلت له أيها الشيخ لا بد لمن كان على مَثَلي أن يصادف في طريقه ما صادف و لا مناص، صدقني أيها الشيخ إن ما تراه على وجهي من علامات الحزن ليس له أية علاقة بما حدث معي في السوق، و لكن لأني لم أجد إخواني.
ليس للذرى أن تبق أبداً منقطعة إلى نفسها، على الأنجاد أن تنحدر إلى الأغوار و على الرياح العالية أن تهب في مناسف الأعماق.
أيها الشيخ: لقد ألقى مشهد السوق هذا في قلبي معنىً من أنبل المعاني.
إن ما في السوق أوراقاً ذابلة و الخير أن أساعد بزفيري الرياح الهابة على الأغصان.
ألا فليتبدد كل ما اعتراه الذبول، ألا سحقاً لكل ناكص.
إسماعيل أبو شميس
طهران
مُستهل ربيع 2011
36.266819
50.003811