رسالة إلى يافا

17/05/2012

حبيبتي يافا/

أكتب إليك لكوني لم أعد قادراً على العيش تحت رزاحة الأمل، فالأمل فظاظة تجرح المتعلقين إليها.

أنا كما كنت دوماً، ذلك الشقي الذي يسائلك كلما ضاق قلبه، كيف السبيل إليكِ؟

المدن الآكلة للحوم البشر لا زالت تطاردني، و أنا مازلت أطاردكِ. التيه لم ينزل عن كتفي، لكن الكبرياء يمنعني من الإقامة في مخيم، و رغم أنني اخترت الإقامة في الإنسان، لكني مازلت أتعذب لكوني فرداً.

أعلم أنني لن أكون فرداً، لكني نسيت ما علي أن أكون.

أقسّم نفسي كعصفور صار سرباً من العصافير، لكن الريح لها نبضان، و السرب تفرّق، و بقيت وحدي.

أتوه في قلب الإنسان، فأعاود ترحالي لأقرأ كل ما كُتب عنكِ.

تهربين مني، فأعثر عليكِ في قصائد عشاقكِ التي تسكنين.

ضجيج العالم يصب في أذني وقراً، لكني لازلت أسمع هدير بحركِ.

طريقكِ سنوريّة تأكل أقدام الذاهبين، لذلك أستحث نفسي لأصل إليك بقفزة واحدة، لكن “القفز” فعل يتعذّر لفظه.

لا تقولي كنتُ، لكي لا ألوم نفسي لأنني ولدت بعدك. قولي أنا، لكي تتخلى الديدان عن كونها معاصرة لكِ، لا تقولي سأكون: لكي لا تتركيني فريسة لعقارب الساعات.

أعيريني مركباً، لأصيد لكِ القمر لتزيني به شاطئك الصخري، أو كوني غياباً، لكن لا تتركيني بلا وعد.

إسماعيل أبو شميس
غرفة التنهدات
18/05/2012

متابعة إضراب الأسرى من غرفة التنهدات II

13/05/2012

يجلس أمام شاشة كمپيوتره ليتابع أخبار الأسرى المضربين، يتابعها دون أن يتحرّك، يعرف جيداً أنه ينتمي إليهم، لكنه يعرف على نحو أشد أنه قد أضاع الخطوة.

يستلقي بكل جسده على حياته برمتها، ليتيح لصوت الغضب أن يزأر في نفسه، لكنه لا يسمع سوى الصمت.

تستبد به الرغبة في أن يمزّق ملابسه بأسنانه، في أن يمتلك مخالب نمرٍ ليسلخ جلد نفسه، إلى أن يسيل دمه… يسيل و يسيل و يسيل.

يتعذّب من إحساسه الناجم عن كونه يتطلّع إلى ما لا يُدرك، يعترف لنفسه بضعفه و ضآلته ليستريح من إلحاحها.

يسأل نفسه: لماذا جاء إضراب الأسرى زائداً عما يريده السياسيون؟

هل جاء ليعذبنا، ليستهلكنا، و يدفعنا للصراخ؟

الأسرى يحاولون انتزاع العالم من العالم، لكننا هنا نعيش كل الانفعالات دون أن تقوى أجسادنا على أن تكون أرواحنا.

ممتلئون رغبةً في الوثوب عالياً ثم الالتصاق بالأرض، ممتلئون رغبةً في الخروج من البيوت، رفض كل ما يبدو منطقياً، لا نريد سوى أن نوغل في الوحشية حتى الموت بين الأشجار و بين النسيان، بين الزلازل و غياب الغد.

إسماعيل أبو شميس
غرفة التنهدات
13/05/2012

متابعة إضراب الأسرى من غرفة التنهدات

11/05/2012

تصريحات صغيرة تتنفس كالمتآمرين بين جدران الصمت الرسميّ.

شعراء يجدون فرصتهم لتمجيد الوجه الجديد للكرامة، و أقد أبلوا في ذلك بلاءً حسناً، فمهمتهم لا تتطلب أعمالاً صعبة، إيمانٌ صارم و سهلٌ في آن.

شبابٌ يحاولون نفض الغبار عن مصباحٍ غير موجود، يتحدثون كثيراً لكن كلماتهم تتساقط مع فراشات الليل حول مصباحهم المفقود.

كتابات هواةٍ لا تجد صعوبةً في التوافق مع كل المستجدات.

الأسرى الذين اكتفوا بقضم كسرات السماء أكملوا لنا العجن خلف المتوازيات الفولاذية، لكننا لازالنا ننتظر، مازلنا على أهبة تذوق رسائلهم القصيرة. و كمراهقين سذج، نتباهى بتبليل شفاهنا بعباراتهم البسيطة.

نستدعي الغضب… و في كل مرة نظن أننا قد وجدنا الشكل الأنسب، يخرج علينا سياسيٌّ ليفاجئنا بأن غضبنا ليس مناسباً.

أمّا أنا فلا زلت أقضم أصابعي، لأنني لا أحتمل هذا الهيوليّ، أوجه ناظري إلى السماء و أتساءل لماذا يبقى من يحملون الأمل للعالم بلا أمل؟ ثم أقول في نفسي لا بدّ و أن الله سيتدخل في اللحظة الأخيرة، أتذكر أن عيوني قد غاب عنها الهدف فأواريها خجلاً، ثم أعود لقضم أصابعي.

إسماعيل أبو شميس
غرفة التنهدات
11/05/2012

رسالة إلى الماضي

08/04/2012

ماضينا العزيز/
أكتب لكَ من حاضرٍ كان من الممكن أن يكون لنا، لولا إلحاحك علينا بعد كل هذه القرون من صمتك.
أكتب لكَ كأحد أبناء جيل بائس يجد نفسه مضطراً للتراجع إليك من جهة، ليتقدم من جهة أخرى.
لا أعرف كيف أتحدث إليك لأنني أخشى أن أخيّب ظنك، و قد عهدتني وفياً لكَ.
تعرف أنني كنت قبل سنوات مغرماً بك بشكل يثير الهزء، لكن جنوني اللفظي بك و بأمجادك كاد يحيلني إلى رماد.
صدقني ما زلت كما عهدتني أصبو إلى مجدك لكني و بنفس القدر أشيح عنه في حركة واحدة.
الجميع هنا وقوفٌ في نقطة العطالة، خيبتنا من الحاضر لم تكن في الحسبان، لذلك فلم يعد أمامنا شيء غيرك لنستخلص منه شرط إحساسنا بالأمان، لكن المكاسب التي تصلنا منك تكاد تسحقنا.
ربما كنت سأحتمل الضيق الذي عشناه بعد الإيمان بك، لكننا مذ آمنا بك صرنا معرضون إلى استهواء كل ضيقٍ جديد.

ماضينا العزيز/
أعرف أنك أنبل الأشياء و أكثرها تهذيباً و إباءً و شهامة، إذ أنك لا تقبل العودة، أعرف أنك على قدر من الكرامة لا يسمح لكَ بالعودة تحت أي ظرف و تحت أي مسبب. لكن من لا يعرفون قدرك و نبلك يتهمونك بأنك قد قمت باحتلال الحاضر و بالضغط عليه و مناقضته، محاولاً إفساد ذكاء أبناءه و رؤيتهم و كل استجاباتهم الإنسانية.
أرادوا امتداحك فصوروك وحشاً يعيش بعدوانية في كل إنسان، ليقتات بكل حياته و بكل مواهبه و بكل احتمالاته. تتدخل و تهاجم و تأمر و تنهى و تهدد و تخوّف و تصرخ و تطالب دون شهامةٍ أو كرامةٍ أو حتى ذكاء.
أرادوا تعظيم شأنك، فطلبوا منا حملك. و ها نحن نشعر بك حملاً ثقيلاً ملقى فوقنا، و فوق ذكائنا و أفكارنا و حرياتنا، فوق ضروراتنا، فوق جميع خطواتنا و جميع اتجاهاتنا و مواهبنا.
هل يرضيك أن نكتب عنك غداً كأبشع و أشمل عدوان واجهته أمه؟
أنا لا أقصد من رسالتي هذه التمرد عليك بقدر ما أريد أن أشكو لك من أولئك الذين يبكون و يرتجفون شوقاً إليك.
لا أريد أن اختم دون أن أحذرك من خطورة ثمثالٍ أقاموه لك، فكل ما نفعله اليوم هو محاولة اتقاء التصادم به، محاولة الوقوف أمامه و العيش تحت ظله دون أن نموت.
حياتنا و عواطفنا جميعها لم تعد سوى محاولاتٍ طويلة أليمة تنتهتي بالتسليم لتمثالك.
حياتنا لم تعد سوى استجابة لشروطه و التعايش معه و تحت إملاءاته و فروضه القاسية. خوفاً من أتباعك لا محبةً بك، ضرورةً لا احتراماً.
التمثال الذي أقاموه لكَ يهاجم جهازنا العصبيّ، و يبهر أبصارنا، لكننا لا نتحرك، بل نرفع أصواتنا فقط، نتمتع باللحظة الثابتة، و نتلذذ بالهوية، لكننا سنكون سعداء جداً و ممتنون جداً لكَ لو أنك حرمتنا من ذلك.

إسماعيل أبو شميس
القرن الخامس عشر الهجري.

رسالة إلى بنت الخيال V

22/03/2012

تحية طيبة/

للأسف أجد نفسي مضطراً للنوم، في الحقيقة مرهق جداً بسب امتحان اليوم، و حتى لا أترك الكلام معلقاً، كتبت إليك هذه الرسالة.

أريد أن أبوح لكِ بشيء أرى فيه ما قد يصلح كمدخل لتبرير ما بدا شطحاً أو صلفاً مني قبال صنوف المعاناة البشرية.

اقتبستِ يوماً من «تشومسكي» على «تويتر»_في سياق الحديث عن الشبه بين حال فلسطيني اليوم و يهود الأمس_ما قد أثار فزعي، لكني آليت يومها الانسحاب لثقتي بنبل مقصدكِ.

لا أريد من هذا التقديم إلا سوق الصورة التي لا أحتملها و أسعى بكل ما أوتيت من قوة لمخالفتها و الدفاع عن نفسي ضد خبث مقصدها:

«أصناف المشردين الأنيقين، الذين يجرجرون نعالهم في عواصم الرأسمالية الفاسدة، لحضور مؤتمرات تتحدث عن المعاناة و القهر، و لا فرق عندي كونهم من أصحاب اللحى المشذّبة بعناية_حسب الصرعة الجديدة_أو من أصحاب البدلات الأنيقة.»

أشعر_وهذا يرهبني بشدة_ أنّ التشرد و البؤس كبؤس، حصار المحرومين، المطرودين من ديارهم، صارت قيماً بحد ذاتها لنا كفلسطينيين، لا لأننا محرومون، و مظلومون، بل لأننا ضحايا و نرغب في أن نظل كذلك، من المحظور علينا تحسين شرطنا البشري!

و بوجه خاص ممنوعٌ أن نعرف ما هو المطلوب منا كفلسطينيين، فطوبى لذلك الذي لا يعلم، لأن له ملكوت الكذب.

هذا الوضع وحده يا صديقتي هو الذي يوفر لمحترفي السياسة من التجار و الانتهازيين، فرصة السباحة فوق الحزن العميق، و من هنا يمكنكِ تفسير ما قد يتراءى لكِ مسيئاً مني. أتوق كثيراً للحصول على منظومة عملانيّة تحقق مبدأ عدم تعارض الطموح الشخصي النظيف مع الصالح العام، و ليس سهولة تحقيق الطموح الشخصي من خلال مطية الألم العام.

ولفشلي، أحاول تحقيق ذلك بعض الشيء، في حوزتي الصغيرة، رغم الكلفة الپسيكولوجية و الاجتماعية الباهظة التي لا تتيح لي الظروف الماديّة و لا الموضوعيّة فرصة الاستمرار بدفعها.

كثيراً ما أبدو بنظر محاوري مصاباً بجنون العظمة في أغلب مشاريعي و أهدافي في الحياة، لكني بحق لا أملك الوسائل لتنفيذها، لذلك أظل متناقضاً حتى مع نفسي، أجد نفسي ممزقاً بين المأساة و المهزلة، لذلك فأنا دائماً مضطرٌ للتنقل بلطافةٍ من الأولى إلى الثانية، بين الضحك و البكاء.

أعلم حق العلم أن الأيام لا تنصف أحداً، و لا أخاف أحداً أكثر من الصالحين و دعاة القيم، و أنا الخبير بهم، فالصالحون يا صديقتي يبثون سمومهم بكل صلاح و يكذبون بكل صلاح، فكيف لي أن أتوقع منهم عدلاً و إنصافاً.

لا يهمني يا صديقتي أن أُحسب من هؤلاء المنادين بالمساواة لأن العدالة علمتني: “ألّا مساواة بين الناس”، و لا أستطيع أن أقول بغير ذلك، و إلا فإن محبتي للبشرية و الخير ستصبح ميناً و إدعاءً كادعاءات كل الصالحين الذين أمقتهم.

مازلت يا صديقتي مأخوذاً بين الإذعان و الغضب، بين المثال و الحقيق.

أعلم جيداً كما يعلم من يعرفني عن قرب أنّ الحياة قد قطعت نخاعي الشوكي، و هذا يفسر لكِ اضطراري لأن ألوذ هنا حيث يحسن استقبالي، فلا خيار لي.

مستنفذٌ يا صديقتي حتى آخر رمق، مرهق، مطرود كأعنف ما يكون الطرد، صدقيني لا زلت لا أتوانى عن الاندهاش من استمرار تعلقي اليائس بكلبه حياتي. أحب أمي لدرجة العبادة، لكني لا زلت عاجزاً عن تقديم  زهرة وفاء بين يدي فضلها، لذلك فأنا دائماً ما أفر من الحب فراري من الأسد. أحب وطني، لكن في المقابل أعلم أن نصيبي منه “ليس هدأه نسيم العشاق، بل زوبعة العواصف”، بلا أمل حقيقي، لكن مقاومة جسمي ترغم روحي على إظهار الشجاعة في مواجهة الحياة.

اعذريني يا صديقتي على هذا الإسراف في التبيان عن أوصابي و أنصابي، فحالي معك كمن (….).

صدقيني أن كل ما أريده هو أن أترك الدنيا، كخليةٍ مسالمة وفية لمبادئ الحياة و رسالتها التطورية.

صدقيني  أن روحك الشفافة تؤنس الكثير من المتفردين، فاحرسيها من سهام الصالحين و دعاة القيم، فصفائها يثير شهية الصيادين.

أخبرتك يوماً أني كتبت شهادة بين يدي نينسيكيلا_السيدة الطاهرة التي طالما كانت سميراً لي في غياب أمي_أراجعها اليوم فأراها ناقصة مجحفة، تحاملت فيها كثيراً على بلدي، حيث لم أر فيها إلا أمي و نفسي و أحياء الأموات، و لو قدر لي أن أكتب فصلاً عما رأيت في بلدي، فسأقول مستهلاً:

رأيت في بلدي. فتاةً، باضت السماء في سواد عينيها لطول ما حدقت في الأفق.

صديقتي/ أنا لم أشأ ترتيب أفكاري بل عرضها كما جالت في صدري أثناء المحادثة و أثناء كتابة الرسالة، لذلك، أرجو المعذرة.

أنقى ما في القلب من أمنيات.

إسماعيل
22/آذار/2012

الإرهاصات – إعادة نشر

20/03/2012

‌لقد مرت بي الأيام مذ خروجي من الكهف، و الحكمة ما فتئت تكبر في قلبي فتزيدني ألماً باتساع آفاقها، لكني آليت أن أمضي في سفري نحو ذروة الذرى أتسلق رأسي أحياناً إن عزت المدارج.

إلا أن صوت إخوة لا أعرفهم ظل يطاردني:

يا من أبصرت النور…

أتراك نسيت أن في صخرتنا تمثالاً كاملاً… مثال الأمثلة!

أفيجدر أن يبقى ثاوياً في أشد الصخور صلادةً و إبهاماً؟

أم تُراك جبلت شحيحاً!

إن من يفرط في ادخار جهوده لا يلبث حتى يبتلى بالخمول.

و الحق أن وقع هذا الهاتف كان يشتد على روحي كلما ازددت صعوداً، حتى كان أشده على ساعة حديثي إلى الشمس، و التي بثت إلىَّ أشواقها و آمالها قائلةً:

لقد تاقت نفسي إلى تلك الصخرة التي غيبها أشد الكهوف حجباً لنوري، لقد مللت مداري و ضقت ذرعاً بشعاعي أرسله حرباً على كل بياض شتائيّ، أتراني يوماً أُرسل شعاعي حباً أبارك فيه مثال الأمثلة الكامن في تلك الصخرة!.

حينها اُلقي في قلبي حقيقة ما قُدر عليّ، و التفت إلى الوادي تحت قدمي.

آوّاه! أيها الغور السحيق أنا بسببك ناقم على نفسي، لو تطول يدي فأنقذك من أصفادك.

ها أنا عائد إليك ثانية،  فقد علمَتني هذه الذروة أن العلى ما يبلغ مقامُه إلا انطلاقاً من المقام الأدنى.

إني أحبُكَ من صميم الفؤاد أيها الوادي فإن لي فيك إخواناً أتوسم أن يكونوا خير رفاق في المعارك، و ما أنا الآن إلا كما كنت في الأمس “جندي”، فكيف لي أن أطيق الحياة خارج جيش؟!

وهكذا بدأت رحلة نزولي إلى الوادي. و الحق أن الإحساس بالزمن لم يصاحبني في مسيري، فقد تملّك روحي شوق عظيم، و شعرت أن نفسي مُلأت فرحاً و أناشيد، فكنت أصيح في الوادي:

ها أنا قادم إليكم أيها الإخوة أحمل البشائر، فكل شيء يتشوق إليكم، و الهواء سيهب بالعطور نحوكم، و الغدران ستسارع لِلُقياكم، كل شي يتوق إلى معالجتكم و شفائكم من ذاك السبات الطويل.

 و عند اقترابي من مقصدي لاح لعيني سواد أمام الكهف جعلني أنتفض انتفاضة من استولى عليه الذعر أو مسّه مارد، فقد رأيت قومي و قد خرج بعضهم من الكهف إلى ما يشبه السوق، فأخذت اركض تجاههم حتى أتبين حقيقة ما رأت عيني عن كثب.

فوجدت الناس و قد صاروا فريقين، فريق جذبه ضجيج السوق و هم الأعظم، و فريق رأى في السوق نادياً وسخاً يعكر النوم الهانئ للقابعين في الكف و يحيل مساحة الحلم الواسعة التي يستعيضون فيها عن ضيق المكان إلى كوابيس تشبه عذاب القبر.

لذلك أخذوا يقذفون السوق بالحجارة، و لما حاولت الاقتراب منهم وجدتهم يقتلعون تلك الحجارة من تلك الصخرة العظيمة فجن جنوني، و بدأت أصرخ:

ويحكم لقد قلت فيما مضى إن الدودة أحط كائن وجد على الأرض إذ تتخذ من أطيب الثمار و أحلاها مكاناً لوضع بيوضها.

وها أنتم تحطمون أنبل الصخور و أكثرها نفاسةً لتقذفوا بها إخواناً لكم، ألا ساء ما تفعلون.

لكن صوت الحال كان أقوى من صوتي، و ما إن انتهيت من كلماتي حتى بدأت أشعر ببرودة، فعلمت أن جسدي ناله من حجارتهم ما ناله، و أن لا جدوى من الحديث إليهم.

حينها مرت بمخيلتي رسوم الجبال  التي تسلقتها و الكواكب التي ناجيتها، و البحار التي كانت تحت قدمي، و أخذت نفسي تستدعي كل ما يثير غرورها، و تقول ما لكَ و للمهاوي و الكهوف.

بُعداً لكَ يا شيطاني، إنني أقصد رفع أعلى التماثيل و أشرفها، فعليّ أن أهبط إلى مهاوٍ أبعدَ في أغوارها من كل ذروة رقيتها حتى الآن.

و هكذا استعادت روحي عزمها، فقررت التوجه إلى أهل السوق.

و ما إن وصلت باب السوق حتى استولى على نفسي حزن عميق، فقد أدركت أن كل شي صار صغيراً في بلدي، فحيثما أوجه ناظري لا أرى إلا صغيراً، فقد جعلوا للسوق باباً خفضت أرتاجه فإذا شاء مثلي الدخول توجب عليه الانحناء.

و الحق أن تلك اللحظة استدعت في عيني سيلاً من الدموع حبستها جَهدي، فقد أبت روحي أن أبكي في بلدي.

لكن قلبي أرسل إلى الآفاق زفراتٍ و كلمات:

ماذا جنيت لِأرغم على الإنحناء إذا ما أردت أن أكون بين قومي، أحس أن بلدي تنكرني، أحس أن قدمي الخشبية التي أتوكأ عليها تُوجع الطريق، تؤذي أحجار بلادي!

إلهي إن لم يكن بك على سخط فلا أبالي.

و بعد أن تصارع في نفسي داعي إقدامها و إحجامها، كان أن نَزَلت نفسي إلى شروط الواقع و قررت دخول السوق.

و لكني فوجئت بشيخ ينتصب بوجهي في الباب فاتحاً ذراعية يحاول صدي عن التقدم، و أخذ يخاطبني قائلاً ما الذي يضطرك إلى الإنغماس في أخبث سوقٍ للمعنى، فما لك أن تظفر هنا بشي بل عليك أن تفقد فيه الكثير.

فقلت من أنت و ما حكاية هذا السوق؟

فقال: أنا أعرفك أيها الفتى فقد خبرتك سنيّ صيرورتك، اربأ بنفسك يا فتى أن تدخل هذا السوق فقد بناه قوم لا كهف لهم إلا ظلام الليل وجوههم أقرب للقردة منها للإنسان.

هنا تُصهر أنبل الأفكار حتى تصبح مزيجاً مائعاً، لا يسمح في هذا السوق إلا للعواطف الجافة بأن تعلن نفسها، هنا تتحلل كل عاطفة نبيلة،  هنا يمارس التجارةَ الأقل شاناً بين التجار، و يُدعى معلماً الأكثر عجزاً بين المعلمين، هنا ينشط ممثلو الغوغاء، هنا مذبح الأفكار.

 أولست تسمع البيان الطليّ و قد استحال سفسطةً و سخائف.

حينها شعرت أن انقباضاً غريباً يسري إلى كل إحساسي دفعة واحدة، حتى خلت أنني فقدت القدرة على الإبصار لشدة ما حل بالمكان من ظلام، و لكني تبينت أن القمر عز عليه أن يرى ما أصابني فتوارى بين الغمام، فأخذت روحي تناجيه:

لا تذرني وحيداً أيها الصديق الحزين فلطالما كانت نظرتك اللطيفة سميراً لي في أشد الليالي حلكة.

تجلى يا صديقي فأنا الآن في أشد الأماكن وحشةً.

فجأة، صاح الرجل أوبكَ صممٌ أيها الفتى!

اربأ بنفسك أن تدخل هذه السوق، لخير لك أن تظل شريداً من أن تدخل جحيم الأفكار هذا.

حينها دفعت الرجل متجاوزاً و صحت به، اصمت فإن كلماتك تفسد عزمي، حتى و لو انطوت على ألف حقيقة.

وأخذت أطوف المكان مستكشفاً لعلني أسمع ما يزيدني حكمة، فوجدت الناس و قد تحلقوا كل فريق إلى ممثل أو خطيب، وقد كان الخطباء يرسلون بيانهم دخاناً و هديراً فوقع في نفسي للحظة أن أقوالهم مستمدة من غور الأمور، فأخذت ألقي شباكي في بحار بيانهم آملاً أن أصطاد خير الأسماك و لكني ما سحبت شباكي مرة إلا وقد علق فيها حجر أو حذاء قديم.

و مع هذا فإن اليأس لم يجد إلى نفسي سبيلاً، فقررت البحث عن منابر أفضل، و استرعى انتباهي  رجل جمع إليه الحشد الأكبر، رأيته و قد اعتلى أعلى المنابر، يتلوى و يزمجر مرسلاً بيانه كالهدير، و لكنه لم يثر في نفسي إلا ما تثيره رائحة الجيف، فتملكني الفضول، كيف لمثل هذا الرجل أن يجمع إليه هذا الحشد الكبير!

فسألت رجلاً كان إلى جانبي من يكون هذا الخطيب؟

فحدجني بنظرة استغراب قائلاً هذا ممثل الشعب و قد بلغ من فن التمثيل أقصى ما يبلغه إنسان، فيمكنه أن يكون تلقائياً، تراجيدياً، هزلياً، أو حتى مخنثاً.

في تلك اللحظة انفجرت مخاطباً الناس:

ويحكم ألهذا خرجتم من كهفكم، لقد رأيت الشمس تواصل سيرها آملةً أن تشهد عظيم صنيعكم، و ها أنتم تتبعون القرود، إن الكلب نفسه لا يروم تقليد القرود.

لا أرى لكم شبيهاً إلا ذلك الغراب المفتون بمشية الحجل يحاول تقليدها، و بعد محاولات عسيرة و فاشلة انتهى به الأمر إلى نسيان مشيته.

كيف طاقت نفوسكم أن تكونوا غيركم؟

انتبه القوم إلىّ فأنكروني و صاح أحدهم كيف اندس هذا الغريب إلى سوقنا، لابد أنّه خرج من أقدم الكهوف و أظلمها.

أربأ بنفسي أن تنعتوني بالغريب أو بالخارج من أشد الكهوف ظلمةً، فما أنا إلا باصرةً لكم اعتلت الذرى، و ما جئت إلا حامل بشارة، و ها أنا أقول لكم، صحيح أنكم قصدتم النور بخروجكم من هذا الكهف و لكن ما فتئتم تتطلعون إلى ما يفعل القرود، فأقمتم سوقاً و مسرحاً على كهف، ظلمات بعضها فوق بعض.

انهال عليَّ القوم بأيديهم، ولكن أَنّى لتلك الأيدي الصغيرة أن تؤذي ضارياً مثلي، و هكذا قررت مغادرة السوق، و أثناء خروجي اعترضني ذلك الشيخ عند الباب ثانيةً،  لحظتها بدأت أجيبه قبل أن يتوجه إلىّ بالسؤال.

فقلت له أيها الشيخ لا بد لمن كان على مَثَلي أن يصادف في طريقه ما صادف و لا مناص، صدقني أيها الشيخ إن ما تراه على وجهي من علامات الحزن ليس له أية علاقة بما حدث معي في السوق، و لكن لأني لم أجد إخواني.

ليس للذرى أن تبق أبداً منقطعة إلى نفسها، على الأنجاد أن تنحدر إلى  الأغوار و على الرياح العالية أن تهب في مناسف الأعماق.

أيها الشيخ: لقد ألقى مشهد السوق هذا في قلبي معنىً من أنبل المعاني.

إن ما في السوق أوراقاً ذابلة و الخير أن أساعد بزفيري الرياح الهابة على الأغصان.

ألا فليتبدد كل ما اعتراه الذبول، ألا سحقاً لكل ناكص.

إسماعيل أبو شميس
طهران
مُستهل ربيع 2011

نفسٌ لوّامة

13/03/2012

متعباً من طول الطريق، يأوي إلى مغارة العناكب مستسلماً للكرى، فيرى فيما يرى النائم، نفسَه أتته و السكين بين أسنانها، تهبُّ في وجهه قائلةً: ألست تدعي أنّك تخلصت من طاعتي! فما لى أراك لا تجترئ على أمري؟
يومَ عصيتَني تذرّعت بأن اقتراف الصغائر أمرٌ صعب، لكني أقول لكَ: إن الأمر بالصغائر أصعب من إتيانها، و مع ذلك فقد أمرتُك بها و لي صوت الأسد. فما لك لا تحدثني عن الكبائر إلا همساً، و أنا نفسك!.
لقد أوليتك أن تقول “لا” كما تقول العاصفة، و أن تقول “نعم” كما تقول عيون الأطفال، لكنك مرهقٌ من التردد الكامن في قلبك، فما أراك سوى صاقرة خجولة.
لقد علمتك الإزدراء لتذهب بي إلى أقصى المحبة، فعلام ذهبت بي إلى أقصى الإحتقار.
لقد بلغ اشمئزازك مني مداه، و قد عيل صبري منك.
ثم أردفت قائلة: لقد وهبتك كل شيء حتى فرغت يداي، و آخر ما يمكنني أن أهبك إياه أن أساعدك لتتوارى.
تسحب السكين من بين أسنانها، فتأخذه رجفة من مسه الشيطان، يقفز النوم من عينيه، يتلفت حوله و يصيح كالمجنون: أين الطريق! هل مضى وحيداً! هل ذهب الطريق دوني؟

إسماعيل أبو شميس
قزوين
13/آذار/2012

صِنوان

25/01/2012

عمَّ تبحث أيها البحر، و عمَّ أبحث؟

ترفض أن تتكسّر على الصخر، فتهرب من الشاطئ مرتجفاً.

و أرفض ابتلاع الكهف المظلم، فأفر من الغد مرتعشاً.

أنا و أنت نرفض موتنا العبثي على صخرة المستقبل الصماء.

أنا مثلك تماماً أيها البحر، أقطن الخلود الهارب من الأرض.

أنا خالدٌ مثلك أيها البحر، و سأغدو ذكرى مطمئنةً في العدم.

نحن خالدان أيها البحر، فلماذا يعلو في الليل هديرك!؟

هل تئن بوحدتك القاسية؟

منذ قرونٍ و أنت لا تَني تخفق بقلبك الغض على الصخور.

منذ قرونٍ ترسل يداك لتغسل وعي اليابسة.

اليابسة حاولت الإصغاء إليك كثيراً.

لكنها ليست مثلنا أيها البحر، اليابسة ساكنة لأنها لا تأمل شيئاً.

كان حرياً بالنجوم أن تفهم شكوك و نحيبك، لكنها بعيدة عنك و نائية.

وحده القريب من يعرف سرّك.

وحده الله من يحب أنينك… كتمجيد مريع لعظمته.

إسماعيل أبو شميس
قزوين
25/كانون الثاني/2012

رسالة إلى بنت الخيال IV

12/12/2011

     لم أكن يوماً أتوقع رسالة منكِ. رسالتكِ هبطت على روحي كقطرات الندى، أصبحت أكثر رغبة بالكتابة لكِ.

الساعة الآن الرابعة فجراً، أظنّكِ تنامين في هذه الساعة، و أظنني أكون أكثر شبهاً بنفسي في هذا الوقت، لذا أستطيع أن أحكي لكِ بعض ما عجزت عن قوله.

صديقتي العزيزة/

     أنا لا أخشى غضبك كما تعتقدين. عدم اكتراثكِ هو الشيء الوحيد الذي أخشاه، مجرد التفكير بذلك يلقي في روعي الارتباك و الوهل.

يضنيني و يغضبني أنكِ لا تحفلين بعواطفي، لا تكترثين لمحاولتي مشاركتكِ لمخاوفكِ، حتى أنكِ لا تهتمين بضروب القلق الذي تثيره في نفسي همومكِ مضاعفةً سبعين ضعفاً.

أتذّكر أنكِ تتيحين لي في بعض الأحيان الحديث عن حبي لكِ حديثاً حراً طليقاً لا تحول دونه أيّ حواجز أو حُجُب. و أتساءل ما معنى ذلك؟ كأنّكِ تقولين: «أنا من قلة الاحتفال بعواطفكَ بحيث لا أكترث أي اكتراثٍ بكل ما قد تقوله، بكل ما قد تعبر لي عنه من عواطفك».

دائماً تتركينني نهبَ مشاعرَ مضطربة، معذّب العاطفة ملتاث الأعصاب. أطلب الخلاص منكِ أحياناً، فأشعر بحجم الوحشة، يضيق قلبي بقدر المُزنِ، فأعود على رغمي عودة الملهوف، لأناجيكِ هائماً ناقماً مستعطفاً.

أتذكر لحظات تجلّي انشراحكِ و طيبتكِ و جمالكِ، فأحتقب عجباً: كيف لها أن تعرف أضدادها المخالفة، كيف يمكن للأحوال المعاكسة أن تدخل عليكِ؟

 أنتِ ملاكٌ يسبح في السعادة و النور.

كوني كذلك دائماً، و سألزم نفسي التواضع في حبي، و الترفق في رغائبي و أشواقي.

اقتربي مني أكثر، لا تخشي شيئاً! أنتِ موضوع عبادتي، و عزيزٌ عليّ تدنيسكِ.

لا يروق لي أن أقول لكِ أني أحبكِ، ليس لأنني ممتلئ بالرغبة في إثارة غيظكِ، بل لكوني لا أحب أن تُنعت هذه العبادة الروحيّة الخفيّة السر بهذا الاسم البشريّ الشائع، الموصوم في أكثر الأحايين بالخزي، هذه الجاذبيّة الحلوة الطاهرة التي تَقرن روحي بروحكِ على الرغم مني و منكِ أنبل من أنبل حب.

 أتعلمين: لقد هدتني عيناكِ إلى سعادة الروح بكل ما فيها من لطائف و كمالات، أنتِ من نفسي شطرها الفائض من جوهرٍ روحانيّ، بكِ يا صديقتي و بكِ وحدكِ أصبح قوياً قادراً على احتمال الحياة، فكوني مَلَكي الحارس، كوني لي كنينسيكيلا. أنتِ الوافرة الجمال الراجحة العقل، أنتِ المتّقدة ذهناً و قلباً و روحاً.

أنا واثق وثوق الأنبياء أنّكِ لي، إن لم تكن هذه السعادة لي، فلماذا تحلُّ على مقربة مني؟

ما غاية القدر من تعذيبي؟ أيريني قمة السعادة ثم يلقيني في القفار؟

أنت لي، يَحرُم عليكِ الانتصاب في وجه القدر، فكوني تعبير إيماني و تحقق صلواتي.

أخبرتكِ يوماً أني آمنتُ بكِ قبل أن أراكِ، لا تملئي نفسي شكاً، فأنا لا أحتمل الحياة بلا إيمان.

إسماعيلكِ
قزوين
12/كانون الأول/2011

محتار الفلسطيني و حالته الغريبة

26/11/2011

لئن كانت الثورات العربية قد أحدثت تبدلاً جذرياً اخضع وعي الشباب العربي بعد كل ثورة إلى متطلبات نظرة جديدة، فإن حالة «محتار الفلسطيني» لم تكن كذلك.

فلا يزال وعيه يحيا في مرحلة الدهشة و الحيرة. صحيحٌ أنه يتلقى من جراء القصف الإعلامي المتواصل ساحرية الثورة و الحرية الغير قابلة للانحباس، إلا أنّ آليات العمل مازالت مجهولة لديه.

مرارة الواقع تجلده بسياطها، تطبع آثارها في وعيه تترك فيه علامات لا يمكن محوها، لكنها لا تتوصل قط إلى تحويل محتوى شحنته الانفعالية إلى عمل.

يعرف أنّ الأزمنة قد تغيرت، و يشاهد العالم يتحول و يتبدل، و يراقب كيف يُقولب التاريخ عقوداً سياسية و بنىً اجتماعية جديدة، لكنه يعلم و بشكل أشد أن مضمون هذا التاريخ إنما يتم في غيابه.

كما أنه يعلم أن هذا العالم الجديد له منطقه القاسي، يفرض عليه بنيته الجاهزة، و أنه لا يستطيع تبديل مجراه و لا أن يقطع بالمقلوب الطريق التي قطعها لكي يصل إلى المكان الذي هو فيه هذه اللحظة بالذات، في كل مرة يجد نفسه في نهاية موقوفة هي دائماً بمثابة بداية.

يحس محتار بأنّ ثقوباً دءوبة قد اخترقت وعيه و بدلت الخِيلة العذراء التي شكلها عن نفسه، و تلك التي كان يعزوها إلى واقع العالم و حقيقته.

محتار يشعر أيضاً و بكل التباس أنّ هناك فجوة فاصلة بين جسامة القضية التي ورثها عن أجداده و ما آل إليه العالم الذي صار عالمه، لا شيء في داخل وعيه يحضره لهذا الأمر، و لا شيء يبشر بتبدل هذا الحال.

جرحه يبقى هناك: في داخل فكره و روحه مثلما هو داخل نظام العالم الملتبس الذي فقد القدرة على تمثّله منذ زمن بعيد.

لذلك فمحتار دائم البحث عن أي شعار أو أي عقائديّة سهلة تستجيب لإرادته الفهم قبل الدراسة، و الثورة قبل التطوّر، و التحليق قبل السير، و إطلاق الحكم قبل أن يحكم عليه. باختصار… محتار يبحث عن أي ترياق سريع يسكن أوصابه.

عشق الطرائف و المغامرات مهما كلّف الأمر، هي علامة محتار الفارقة، فهو لا يكترث لغرابة العقائدية التي يعتنقها، و لا المواقف التي يتخذها، المهم في نظره  أن تكون الفكرة كليّة و آسرة في نفس الوقت، أو أن تأتي مواقفه مدغدغةً لكسله، مرضيةً سائقة تحقيق الذات لديه.

محتار اليوم و في فصلٍ جديد من فصول سعيه خَلُص إلى تحقيق ذاته من خلال تجاوزها، محتار يقول لإخوانه الثائرين على امتداد العالم العربي، أنا قليل بنفسي كثير بكم، تجاوزوني الآن لتؤازروني فيما بعد.

و لا غرو أن ينحى محتار مثل هذا المنحى، فهو يريد أن يكون فاعلاً في عين نفسه و في عين أخوانه دون أن يكون مضطراً لبذل جهود جبارة.

لكن و رغم هذا و ذاك، تظل قضية محتار هناك… كشوكة في صدره، كنصب تذكاري لقلته و لعجز إخوانه، شيء مستديم رغم كل المستجدات، تكرر المطالب ذاتها بلا كللٍ و لا ملل، شيء يحلّق فوق قساوات الزمان، قضية تتعالى على كل محاولات الخفض، تنفذ إلى ضميره، تخترق وجدانه رغم كل محاولات التصفيح، و كل محاولات الهروب و الطلاء العقائديّ.

رسالة إلى بنت الخيال III

04/11/2011

صديقتي العزيزة/

لست ظريفةً على الإطلاق، أقولها بخبث و دون مرارة، فأنت لا تقاسميني شيئاً من أوصابكِ و لا من تعبكِ، أنتِ لا تحبين أن تعطي شئياً.
أنا شديد التمسك بحقي في مشاركتكِ التعب، و سأتبع حمية عن الكلام.

تعلمين أنّكِ منتهى ما بحثت عنه، و فكرت فيه، و رجوته و آمنت به إلى الآن، فلماذا توصدين باب قلبكِ في وجهي!؟
أنا لا أقبل بحب مزج بالشك و الغموم و نار الانفعال المضطرم، حب يُفني ذاته بذاته كقطرات المطر على الرمال المحرقة، حب يطلب دوماً و لا يبذل يوماً، حب يظل يسأل: «أتريد أن تكون لي؟» و لا يقول: «يجب أن أكون لك»، حب يستغرق نفسه، يذيب نفسه، بل و يلاشي نفسه و هو معذب يائس. شعلته تلتهب ثم تنطفئ و لا تدفئ، ، و تذهب تاركةً بعدها الرماد و الدخان.
صحيحٌ أن النور يعلو و يغمر حروبنا الكلامية، لكني في كل مرة أشعر بكآبة مبهمة تلتف حولي، صحيحٌ أن روحينا تستطيع أن تمزح، تبتسم، و تقهقه أحياناً. لكنّ في مهجتي حرقة لا تلطفها كلماتكِ القليلة، و لا رسائلكِ المقتضبة، و لا حتى الفرح الخجول في صوتك.

تمنيت لو كان بمكنة خيالي تشكيلك جسداً، لتعطيني يدكِ و تصمتي قليلاً، لتستقر على عيني نظرة عينيكِ الصامتتين لأقرأ فيها آيات روحك!
لماذا يحظر علينا إظهار مكنونات قلوبنا؟
اعلم أن الناس يضنّون بأفكارهم لألا يتلقاها الآخرون ببرود و جفاء. و لكن نحن يا صديقتي! أيُسكت هذا النهي الوهمي قلوبنا؟ و أصواتنا؟ أيجب أن نخرس نحن أيضاً و القلب نفسه ينبض في صدرينا!؟.
لماذا يتعذر عليَّ دوماً الحديث معكِ بلغة القلب، و أنتِ أشبه الأرواح بروحي؟. يتعذر عليّ ذلك فأضطرب حديثاً، و تتضعضع أفكاري، و أشعر بارتباك مزعج، أحاول التخلص منه بما يحضرني من كلام فأصبح ثرثاراً بشكل مضحك.
في كل مرة أسأل نفسي بعد الحديث معكِ كيف لهذا التنكيل أن يصدر عن رقة روحكِ، و نزاكة طبعكِ؟
كيف لنفس بشرية عذبة كصباح الربيع، عطرة كشذا الياسمين، لامعة كلواحظ الأطفال، أن تعيش كل هذا التكتم؟
لماذا تتأدى إليّ كلماتكِ المنقبضة في هدوء و تبلغني في تكتمها و حذرها باردة كئيبة؟
تكتمكِ يشعرني برعب صامت يجري في شراييني كالذي تبعثه الخرافات، كلماتكِ تتمتع بنفس القدر الذي يتمتع به الموت من الغموض و تعذر الإدراك.
أريد أن أشارككِ عراككِ مع العناصر، بحثكِ القلق عن معنى الحياة.
العناصر ستبتسم يوماً، الفرح وحب الحياة سينبثقون حينها من ذاك الابتسام، لا تحرميني الاسترخاء الولِه لحظتها.

صديقتي العزيزة، اغفري لي هذه الرسالة بأكملها، اغفري لي هذه الثرثرة الحائرة، أنا رجل أحمق بشكل لا يغتفر.
لن أكتب لكِ مرة ثانية، قلتِ مرة أنك تحبين ما أكتب، أنا أشعر بالغيرة الشديدة مما أكتبه، أنا بلا شك أكذب قليلاً.
صديقتي العزيزة، يتعذّر علىّ فهمكِ، يجدر بكِ الكتابة لي.

إسماعيل أبو شميس
قزوين
04/تشرين الثاني/2011

ثلاث سنوات في حضرة ظافر يوسف

25/10/2011

صديقي العزيز/

ثلاثُ سنواتٍ مرت، منذ قدمتَ لي كأساً دهاقاً من فضاءٍ لانهائي، ثلاثُ سنواتٍ مرت على بهجتي باكتشاف ذلك الناسك النّقيّ. اليوم أعيد استماع تلك المقطوعات الساحرية، فتجيش في صدري أشياء مرمّزة و معماة، تريد إطلاق لساني بأشياء  بكماء عصية على البيان، إلا أنّ لجاجتها و قوتها العجائبية تجعلني مجبراً على الحديث.

قلبي المتجهم الذي عرفته… قلبي الذي لم يكن يرى سوى الأشباح، ينتشى لاختياراتك الموسيقة_التي لم ترق لي في بادئ الأمر_ فقط لكونها تقترب بشكل أو بآخر من روح الجاز، لو كنتَ هنا لترى كيف صار هذا القلب الصلد، يتنفس هواءً كونياً و يتمدد، يستسلم لمتعٍ متزايدة، ثم ينغمر في افتتانٍ منتشٍ و كأنّ العالم كله قد اختفى فجأةً.
لو كنتَ هنا لترى كيف يجلس عقلي الأحمق_الذي قضى وقتاً طويلاً يبتهج «بالتحليل»_على ركبتية بين يدي الروح الموسيقية التي يملكها هذا الصوفي العارف، يراقبها تخطو خطوات لم يعرفها يوماً، خطوات لها سعة «التركيب»، هذه الروح وضعت قلبي و عقلي أمامَ وضوحٍ جديد.

صدقني يا فادي، الامتياز الصوتي الذي يملكه الرجل أثر على عتبة قواي الصوتية.
دعك من صوته! انظر إليه يرفع يده إلى السماء، ثم يقف مترفعاً برقته. أنا ارتعش لمجرد الإيماءات، هذه الحركات تتيح لفكري المتجهم أن يُغنّي.
اُنظر إلى تلك المنطقة الصوتية، تبدأ بتنهيدة ثم تمتد متجاوزةً كل التحديدات.
لم أكن اعرف أن حروف العلة تمتلك كل سماتِ العامل المضخم لل«آه» في صدري.
آه التي يطلقها ظافر ميدانٌ تلتقي فيه كل القوى الملطّفة للقلق الإنساني.
أشكرك يا صديقي، فمعرفتي بموسيقى الرجل جعلت موقفي في العالم أكثر يسراً، ڤاڠنر كان يجعلني انكمش أمام البرد النوردي، انقبض بين يدي الروح الشوپنهاورية، ظافر يوسف فتح أمامي باباً منحني حريةَ من يعيش خارج العالم.
مجرد مشاهدة الكونسرت، جعلتني قادراً على معايشة فرحٍ جديد، فرح يطالبني بالانسجام مع تناسقة.
مشاهدة هذا الرباعي تحررني من كل قوى الجاذبية التي أعجزتني دوماً عن تنسّم أثير الأماكن العالية، مشاهدة هذا الرباعي تساعدني على التحرر من قيد الذاكرة التي طالما قعدت لي كلَّ مرصد، مقتنصةً كل المباهج.

جزيل شكري و تقديري

صديقك إسماعيل
قزوين
25-10-2011

رسالة إلى صديقي ثائر بن عاجز الحيران

15/10/2011

صديقي «ثائر بن عاجز الحيران» شاب عربي ينتمي للجيل الثالث بعد الهزيمة، ولد في زمن الخفض، نظر حوله فوجد الفئات الرسمية مخفوضة إلى المستوى الإجرائي، مثقلة بالأورام لدرجة أنها لا تستطيع أن تبرح قاع المستنقع؛ و الفئات النخبوية ممسوخة هي الأخرى إلى الشكل الانتهازي عديم الوزن، الذي يتيح لها الاستمتاع بالسباحة فوق مياه الألم العميق؛ أما الفئات الشعبية فمخفوضة إلى مستواها الانفعالي المحض، عالقة في الوسط لا يسمعها أهل القاع و لا أهل السطح إلا بالكاد.

ثائر كبقية أبناء جيله يتعذب بلا حدود، لكونه عالقاً في الوسط، حيران من جراء المواقف الغامضة و ازدواجها، تضنيه عزلته الفردية المخفوضة إلى مواردها الشحيحة، لكنه مُصر و مهما كلّف الأمر على البحث عن ملاذ آمن، يحميه من شياطين عزلته. و إذا لم يكن الحامي هو الدين، فسيكون المذاهب العلمانية أو الثورية؛ و إذا لم يكن الحامي هو الله، فسوف يكون التاريخ؛ و إن لم يكن النبي، فسوف يكون المخلصين الدنيويين الذين لا تكُف ألسنتهم عن مقارعة الأسماع طوال الليل و النهار، و الذين تستعاد رسائلهم الرتيبة على شكل يشبه التعاليم الدينية في لجاجتها، و تتولى تضخيمها وسائل الإعلام و مواقع التواصل الاجتماعي من خلال طرقها المتواصل.

ثائر يستجيب لهذه الأفكار بكل سلاسة لأنه بالإجمال يحتاج لبعض الأفكار البسيطة جداً، و القوية في الوقت ذاته. و هو بحاجة إلى المعلومات التي تفضح الخيانة القذرة للحكام الغارقين في المؤامرة العالمية. ثائر بحاجة أيضاً إلى الحصول على السكينة من خلال الإقامة إلى جانب المحرومين و المظلومين و كل ضحايا الاستبداد، فثائر متألم كأشد ما يكون التألم، فهو ما زال يتحسس شظايا ضياع فلسطين في لحمه الحي، و لا زالت الدبابات الأمريكية تدوس شرايينه المشاعة لكل الغزاة.

ثائر كذلك يحب الخطابات الانتصارية، كما أن الحدود ترهقه، لذلك فهو دائمُ السعي وراء أفكار تتلاشى فيها الحدود، عوالم يغدو فيه الدين سياسياً و ثقافياً، و ترتفع فيها الثقافة السياسية إلى مصاف اللغة القدسية. لذلك تجده يجأر بالتكبير في مظاهرة حزبية، و يدعو للتظاهر عبر مكبرات المساجد.

ثائر يرى في الديمقراطية جوهر نظام الحكم في الإسلام، بل و يتهم الغرب بسرقتها دون ذكر المصدر. حتى الوضوء_و هو من الشعائر الدينية_تحول في نظره إلى عناية بالصحة. هذا الخليط الغريب من المقدس و المدنس و من الحديث و الرمزي، يساعد ثائر على نفي التبعية و التنكر عن ذاته، لكنه يبقى خليطاً ملفقاً من عالمين مختلفين لا يمكن تعايشهما من غير عنف.

لثائر أيضاً موقف مزدوج من الثقافة، موقف انجذاب و انطواء في آن واحد. ذلك انه و بحكم روح العصر و بحكم تكوينه العلمي و التقني، يتميز بكون رده فعله تجاه الثقافة مترددة بين الرفض و الازدراء من جهة، و بين الإعجاب الساذج و التزلف الغير مشروط من جهة أخرى. فتراه مثلاً يخرج من شرنقته الافتراضية ليركع في ذلك المسجد أو يدبك في تلك الحفلة، يحمل «iPhone» باستمرار و يدخن النارجيلة. ثملٌ بصوفية الصحراء كثمالته بمنتجات شركة «Apple ». يحب الأرقام و الإحصاءات، يأنس لرؤية المنحنيات الإحصائية، كأنسه بالروايات الأسطورية للتاريخ. إيمانه بالتكنولوجيا لا يختلف كثيراً عن إيمانه بخاتم سليمان.

ثائر يتأوه باستمرار فوق أطلال الماضي، و يمارس العبادة الصنمية للتراث، دون أن يعرف كيف يربطه بالوضع الراهن. باختصار يمكن القول بأن ثائر ضحية انكسارات و ثغرات في الوعي، فبينما تتبدل الأمور خارجياً، تظل الإسقاطات الذهنية تدور حول نفس طرق التمثل القديمة.

ثائر ليس كائناً أحادياً، بل مصنوع من نثار رغبات متفجرة، من أجزاء ضميرية مبعثرة، و من كميات من الأماني المتناقضة، تجذبه كل واحدة منها ذات اليمين و ذات الشمال.

اليوم و في الفصل الأحدث من حياته يجد ثائر نفسه مدفوعاً بشوكة الواجب التي لا تنام في صدرة، تجاه خيارين أحلاهما مر:

فأما ان يستسلم للدابة الحزبية الدنسة التي تحتكر العمل النضالي، و التي لا تشبه في نظري سوى «ضحاك» ذلك السلطان اللعين في «كتاب الملوك»، و الذي كان يطلب أن يضحى يومياً لأجله بأدمغة الأبرياء، حتى يطعم و يسكن الأفاعي التي كانت قد ولدت في كتفيه بعد أن قبّل منكبي الشيطان.

و إما أن يستنفذ نفسه حتى الرماد في البحث عن قضية في عالمة الافتراضي، ليضغط تلك ال«Like» التي ستغير وجه العالم، و تجعل القوى الكبرى ترتعش من تنامي حركات الرفض عبر العالم.

***

قد يجد صديقي ثائر في نفسه شيئاً بعد قراءة هذه السطور، لذلك فأنا أريد أن اعترف له أن حالتي ليس أحسن من حالته، و أن هروبي  من الاحتكاك المباشر مع اليومي، إلى التجريد لم يفدني كثيراً.

ها أنا بعد محاولتي الهرب من وجه قضيتي، اقضي اليوم منشغلاً بأفكار مجردة، ما ورائية في غالبها، مسكونٌ بمزيج من الإعياء و الإثارة الدماغية، كأن عقلي يعدو باحثاً عن العلاقة الغامضة التي تصل الخاص بالعام من اجل ولادة «ما يستحق الحياة». لكني في كل مرة انتهي إلى أن أفكاري و اكتشافاتي، تشبه إيحاءات الحُلم التي تبدو حقيقية و موفقة بصورة قطعية، و تظهر عند الاستيقاظ سطحية و لا قيمة لها.

جربت أحاسيس أكثر بكثير من تلك التي أُحسها، و لفرط ما أحسست ظلّ ينقصني دائماً شيئاً أُحسه، لا أدري أبالقلة أحس أم بالكثرة، ما عدت أعرف كيف أحس، و لا كيف أتعايش من أعماق روحي الحزينة مع أخوتي في الأرض، مع أبناء بلدي. ما عدت قادراً على أن أكون واضحاً في موقفي تجاه أكثر المسائل مصيريةً، ما عدت قادراً أن اتخذ لي مكاناً في الحياة، أو أن أمتلك غاية محددة بين الناس.

قد تستولي عليك الدهشة لما أسلفته عن نفسي، لكونك تعلم جيداً أني و منذ أيام مراهقتي اعتبر أن عدم الرضا هو جوهر وجودي. هل تذكرني؟ يوم كنت ولداً لا يعرف النهايات و لا يرضيه شيء كليةً، يفرغ من معالجة لينتقل إلى أخري، كلمته المفضلة «الصمود».

كلمتي المفضلة هذه الأيام صارت «الحذر».

صدقني يا ثائر أنا لست مرتاحاً لهذا الدور، فالحذر لا يختلف بنظري كثيراً عن الجبن، الحذر… جعلني أحجم عن العمل حتى لا أخطئ. الحذر… جعلني أستأمن الديدان على أحلامي، هل تصدق أني وصلت لدرجة الشعور بالعجز عن حراسة أحلامي!؟.

الشقاء نفسه صار يزدريني بعد أن استأمنت الديدان على حلمي بيافا، صدقني هذا المنفي يبصق في وجهي كل صباح، و يدوس على روحي كل مساء.

أنا مثلك تماماً يا ثائر لا أريد أن أحيا و لا أريد أن أموت في غير وطني، العيش خارج يافا لا يشبه الموت و لا يشبه الحياة.

سئمت التجريد، و سئمت الأفكار التي ما إن تجمعنا حتى تفرقنا من جديد.

سئمت هذا الفضول الممزوج بالرعب حيال ما سيحدث بعد، الفضول الذي يصرفني عن متابعة الأخبار، و يدفعني لأن أتلصصها تلصصاً، كمن يقتله الشك إزاء معشوقته و يخشى من مواجهة الحقيقة.

صدقني يا ثائر، لا يوجد بيننا ثوري و لا متقاعس، و لا انتصاري و لا منهزم، لا يوجد في عالمنا القاسي سوى لحظات أصيلة نصاب فيها بالألم. و هذا الألم هو الذين يجعل منا معترضين و رافضين كلٌ على طريقته، و هذا الرفض هو الذي يجمعنا وجودياً و يفرقنا ايدولوجياً.

لهذا فالتي تبدو لنا نقطة تباعد، هي نفسها نقطة التقاطع و التقارب، و انطلاقاً من هذه النقطة وحدها سيكون في مكنتنا يوماً ما، أن نعيد اللحمة لهذا التمزق، الذي ظلّ زماناً طويلاً ملازماً لشرطنا الفلسطيني و العربي.

ما أتعس من ولدوا تعساء يا ثائر
ما أتعس من ولدوا لاجئين
ما أتعس من ولدوا في عصر الخفض
ما أتعس من ولدوا تعساء!

إسماعيل أبو شميس
قزوين
فجر15/10/2011

من أنت

08/10/2011

(01)
تجمع نداماتك الماضية
تريد أن تعيش خارج عينيك
أنت من هنا…
أنت من هناك…
بل أنت من وراء المسافة
(02)
تبحث عن حياة ثانية
تعاقب فيها حياتك الأولى
تبتكر دوراً
تتمشى داخل نفسك لتدعي أنك تحسن التعثر
أنت حصان أعرج
(03)
تحلم محروماً من الحلم
تبحث عن المؤنث لكي تترجم له الحب
تكتشف أنك لست المذكر الذي يفهمه
أنت شبيه بالبداهات
(04)
تهرب بعيداً عن نفسك
تنقل المدينة و الذكريات
تحمل جدران سجنك على كتفيك
يقينك الوحيد، أطرافك المبتورة
أنت شبه جزيرة
(05)
قدمك الخشبية توجع الأرض
و الرمل يأبى أن يتسخ بك
عينك المتبقية تنام لتصحو و تنكرك
أنت عصفور يترقب أن يكون وحيداً ليقتلع جناحية
(06)
تنظر إلى التلفاز الذي يبذر الوجوه
تشعر أنك لم تعد بحاجة لأن تعرف وجهك
تبيع وجهك للدود
أنت القمر الذي أذلة الفجر الكاذب
(07)
تشرح الحبَّ للصوان
للقرد تشرح كيف يعود إلى جنس الإنسان
تبتكر الذاكرة من جديد، و مع ذلك يرفضك الزبد
أنت الفشل الفطري لكل طرق التعبير
(08)
توبخ الليل لارتكابه جريمة كونه ليلاً
تغري الفيروز بالانتحار ليهرب من حزنه
و مع ذلك تقبل بدكتاتورية خنفساء عرجاء
أنت صندوق المعاني المستهلكة
(09)
تغازل كل إشارة تؤدي إلى فعل اللذة
تضع يدك في يد كل شهوات الرحيل
تمزق جلدك لتحتك بالأشياء أكثر
أنت جوع الأشياء المجرد
(10)
تدرس عادات الأشجار الخضراء
تبحث عن قرابة دموية مع سر الأشياء
تتلقى صدمة عند كل اتصال
أنت اليد الناعمة لانفعالات لا تعبير لها
(11)
تبحث عن الله في وعي الماء، في قانون النباتات
تنتظر نسمة تعلن حلول الصلاة
تتوضأ من شعاع يسقط على حافة نافذتك
تستقبل زهرة حنّون
أنت حرب الكُوّة تلمساً للنور
(12)
تجمع التفاح من أغصان الأساطير
تَعُد أوراق الشجر، فتجدها تساوي خوفك
تلقي سمعك لوقع خطي الإيمان على سلم الشوق
أنت إحساس الغربة في صدر طير مهاجر
(13)
تصغي إلى كون لا يريد التكلم
تروي أحلامك لعالم أصمّ
كل صباح تتزوج ما لم يعرف بعد
كل ليلة تتزوج ما لن يعرف أبدا
أنت برزخ يتعذب
(14)
تبني مسرحاً في رئتيك
تعيد تأليف الغير واقعي
تتسائل كيف تستثمر كلَّ عدم، لكي تشعر انك حيّ
أنت مصرع الحكاية في زقاق النوم
(15)
تفتح نافذتك المطلة على غوامض المخيم
تطل على زقاق يصعب على الفكر ارتياده
تستنجد بحروف ضائعة في لغة غامضة
تطرق الأبواب… تتسول الأغاني
أنت وثبة فرحٍ من خندق الموت
(16)
تحس بسرعة دوران الأرض في رأسك
تطلق كل المدن الساحلية في شراينك، لتعدو
تَزيد السرعة أكثر… يسبقك المخيم في كل مرة
أنت جبل يركض
(17)
تعدو بين الزمن الضائع و الزمن الميت
ترمي عظامك لتكون أكثر خفة
تمسك بتلابيب روحك، تجرها على الإسفلت
أنت طاحونة تركض لكي تتجاوز الزمن
(18)
تختار السماء منفى طوعياً
تأخذ يافا حبة كرز
تثبتها محل عينك اليمنى
أنت صاحٍ كمن يوشك على الموت
(19)
تريد أن تكون أكثر هدوءاً من القبر الذي ينتظرك
ترتجف من أبسط الكلمات
تركض بين أسطورتين
أنت عجاج محبوس في قعر الرؤية
(20)
تضنيك حاجتك الشهوانية لامتلاك اللغة
تلهو بأن تلبس حروف البدايات
تحاور الكلمات الكبيرة، و تعذبها أحياناً
بعد ثمانية و عشرين سنةً من الرعب
أيّة أبجدية سترضى أن تقترن بك؟
أنت رجل لا يُسمَّى إلا بعد قتل الكلمات

إسماعيل أبو شميس
قزوين
مساء الخامس عشر من كانون الاول، الموافق 07/10/2011 رومي.

أنا أصغر من ذاتي يا أمي

30/09/2011

أمي العزيزة/
لا زلت وحيداً في هذه المدينة الرمادية الكالحة، بعيداً عن بلدي، عن أصدقائي، بلا أمل و بلا مشاريع، نَهبَ مشاعر مضطربة و مشوشة. و بدلاً من أن أفكر في المستقبل، أراني أحيا تحت تأثير الذكرى، تحت تأثير تلك العاصفة التي حملتني زوبعتها زماناً ثم ألقتني على الأرض، مخاصمةً صلفة، متحولة عنّي.
ينتابني إحساس أن جناح تلك العاصفة لا زال مطبقاً عليَّ، و أنني أفتقد التوازن، و مازلت أدور و أدور و أدور.

لا زلت أعود بأحلامي إلى طفولتي البعيدة الغور، محاولاً الانتقال منها إلى الأبدية التي سبقتها، لا أريد لفجر حياتي أن يختفي في ظلمات الغفلة و الحداثة.

لا زلت أذكر تلك الليلة الصيفية من ليالي الثمانينات، حين استولى على الخوف لحظة انقطاع التيار الكهربي. اذكر لحظتها أنّي شعرت بأن البرد سرى في كل جسدي، و بدأت أعدو تجاه شجرة الزيتون التي كنتِ تجلسين إليها، ساعتها احتضنتِني و قلتِ: “اسم الله عليك يمّا”، جلستُ حينها إلى ركبتكِ، رفعتِ إصبعكِ و أشرتِ إلى النجوم فوق رأسي. استولت عليّ الدهشة و فكرت: “كيف صنعت أمي كل هذه النجوم بكل هذه البراعة!؟”. و عاد الدفء إلى جسدي، و بلا تهويدة، غفا القلب الصغير المرتعش في صدري.
منذ ذلك اليوم ما نظرت إلى النجوم إلا و انتعشت تلك الذكرى في حافظتي، فأغمض عيني لعلَّ سماء ذاك العمر تخيم عليّ مرةً أخرى.
السماء ما عادت هي تلك السماء الساحرية التي عرفتها تلك الليلة يا أمي، السماء تتراءى لي اليوم عبثية و فارغة كحيطان سجن، ترتفع فوق رأسي، كحمل يحنيني.
ليلي لا يستحق كل هذا الظلام يا أمي، أطلقي أصبعك من جديد، أشيري كما أشرتِ تلك الليلة.
تعوزني لمسة يدكِ الساحرة في هذه الوحشة يا أمي، لمسة يدكِ كانت تغريني بالذهاب إلى آفاق مليئة بالوعود، الآفاق تهرب مني أكثر جبناً من الظباء.
ما عدت أطيق الحياة في هذه المدينة البعيدة تأكل لحمي، خلصيني من هذا الكلب الذي يقضم كل أحلامي القديمة.
هذه المدينة أفقدتني ابسط الكلمات: “حب”، “صداقة”، “وطن”، “زيتون”، “زعتر”.
شوارع هذه المدينة جعلت روحي تمشي على عكازين، هذه المدينة أضاعت مني الوقت، جعلتني ازحف تحت الساعات.
أنا أصغر من ذاتي يا أمي، أنا أصغر من ذاتي يا أمي.
بالله عليك يا أمي اطلبي من الله أن يأخذ منّي هذا العقل كي احتمل الحياة.
اطلبي من الله أن يترك لي من الذكريات واحدة كي أموت بنبلٍ، أن يخلِ لي من الذكريات واحدة بعدي تعيش.

وافر حُبّي

إسماعيلكِ
قزوين الرمادية
مساء السابع من كانون الاول، الموافق 30/09/2011 رومي.

عزيزتي يافا – أخاف من أيلول

22/09/2011

عزيزتي يافا/

ما كنت أريد الكتابة لكِ، اعلم أنّ لديك مشاغل أخرى، لكنّي الليلة اشد قلقاً من أرنبٍ برّي، و اشعر بهلعٍ حشوي كلما سمعت حكاية أيلول هذه.

تعلمين أنّي لم اترك واجب الحراسة على حلمي بك ليلةً واحدة، لكني الليلة اشد قلقاً من أمٍ تسهر على وليدها المحموم، أحس بأني لا أحسن حراسة حلمي بكِ، فأنا احرس بجهازي العصبي.

أتذكرين يوم كنت ولداً مجنوناً و طائشاً، أنتِ كنتِ رصينة إلى أقصى حد، لم تكترثي بي و لا ببندقيتي. صحيح أنّ الأمر آلمني كثيراً، لكني أفدت كثيراً.

الليلة اشعر من جديد، و رغماً عني، انه يجدر بي الدفاع عن ذلك الأحمق الذي كنته قبل ثمانية سنوات، من جديد أجد نفسي ككل أولئك الذين لم يدفنوا بعد، أتوه خلف رائحة برتقالك، متعباً أرقاً تدفعني الشوكة دون اتجاه، و لا احد يدلني على الطريق.

أتعلمين! أوج السعادة بالنسبة لي أن أكون شخصاً مقداماً أحمق، يعود من المعركة إلى أزقة المخيم، يفرك يديه أمام النار مستمتعاً بالدفء، يمضى ساعتين في إعداد الشاي الرخيص.

أتعلمين! هذا أفضل من أن يكون المرء عشيق امرأة تكبره سناً.

عزيزتي يافا/

صديقي أحمد احترقت كلتا يداه قبل ثمانية أعوام من أجلك، أنا لا أريد أن تحترق يدي المتبقية. انظر إلى يدي و أحبها، يدي تستطيع الكتابة، و تستطيع عقد رباط الحذاء، ورسم بحرك و بياراتك، قد لا تحبين رسوماتي، لكنها تمنحني مشاعر آسرة.

في بعض الأحيان يدي تأسر وجوه الأطفال، تخبرهم بما يعجز لساني عنه، فكري بذلك جيداً.

ثقي بحب أعجزني دهرٌ ضنين عن التعبير عنه.

لن أعطيكِ عنواني هنا، ما عدت قادراً على تحمل عتابك.

إسماعيل أبو شميس
مساء 21/أيلول/2011

رسالة إلى بنت الخيال II

21/09/2011

كم أنتِ قليلة اللطف إزائي! أراكِ حريصة على الاحتفال برغبات الآخرين، بل و بأمانيهم الخفيّة المستورة، لكنكِ لا تبالين بي و لا تكلفي نفسكِ مشقة رد مقتضب.

لن اكتب لكِ بعد الآن، فأنا ما عدت أطيق خيبة الأمل التالية لكل رسالة.

قد تبدو الكتابة في عينيكِ ترفاً أو شيئاً عديم الأهمية، لكني وحيدٌ هنا و متعي تقوم على أشياءَ صغيرة، أعظمها القهوة.

لست ادري بدقة لماذا اكتب إليكِ، اشعر بالحاجة إلى صداقة استودعها ما يحدث لي من أمور صغيرة. مع من أتشارك؟ ما عدت اعرف لماذا اخترتك و أنتِ غريبة عني، لا اعرف ما الذي دفعني إلى التمسك بكِ رغم أن أول أحاديثنا لم يكن أكثر من حديثٍ فاتر مشوب بسوء التفاهم.

اليوم و أثناء محاضرة الپاثولوجيا لم استطع منع عيني من مراقبة غيمة فرّارة عبر شباك القاعة. المشهد يذكرني بوجهكِ؛ أثناء لقاءاتنا القليلة كنت أحاول طرح الأشياء الأكثر أهمية بالنسبة لي أمامك، افعل ذلك و أنا في غاية التلهّف، و أراقب فكرتي و هي تستمر في وجهكِ. كنت أقرا التغييرات و كل ما يمكن أن توقظه الفكرة في وجهكِ، لكني كنت دوماً اشعر أنها تهرب في الرمال، لا تترك أثراً للمتعة و لا للانزعاج، و لا حتى لمحاولة الفهم.

لن تفهمي و لن يفهم احد، و أود لو أرغم أحداً على الفهم، لماذا تكونين دوماً ذلك الشخص الذي لا يهمه الأمر أبداً، و الذي سينظر شارداً.

في حديثي الأخير معكِ شعرت أني أمام فتاة نفذت إلى قلب الإنسانية، فلم تجد شيئاً إنسانياً في ذاك القلب، فعادت إلى نفسها موصدةً كل الأبواب.

قد تبدو الصورة التي تشكلت عندي حولك غير منصفة، لكني هكذا سأشعر بندم اقل عليك، وهذا أفضل لي.

لا معنى لان أتسول الصداقة، أنا كنت بحاجة للتواصل معكِ و أنتِ لم تكوني بحاجة إلى ذلك. أكثر من عاديّ.

صديقتي العزيزة/

كان عملاً بطولياً من قبلي أني قد كتبت، تعلمين أكثر من غيرك كم أنا شديد التكتم فيما يتعلق بحركاتي الوجدانية. سوف لن اكتب لكِ بعد الآن، حتى لو كتبتِ لي.

أنا اخسر أحلى صداقة، و لا احقد عليكِ.

إسماعيل أبو شميس
جامعة قزوين للعلوم الطبية
21/أيلول/2011

رسالة إلى بنت الخيال I

20/09/2011

لو تعلمين كم أنت لطيفة! أحاديثي القليلة معكِ، و أنت بذلك القدر من الصبر و الذكاء، أيقظت في قلبي معنىً لم اعرفه من قبل. كنت اشعر أثناء حديثي إليكِ انك تفهمين كل شيء، و أنا أصبح ثرثاراً، أتعلمين كم كان هذا ممتعاً بالنسبة لي؟ متعة ثأر اقتص به من صديقتي الشريرة.

خسارة أن تكوني قادرة في بعض الأحيان على إيلامي قليلاً، و لا أكون قادراً على حماية نفسي جيداً. ربما لكون صورتكِ طفولية جداً.  لو كنت اكتب الشعر لقلت كثيراً من الأشياء الجميلة، ربما قلت: “صورتكِ، بوزن اليمامة”. لا اعلم أن كنتِ تدركين كم هي فاتنة هذه الصورة في عيني، هذا الطير الذي أعطيت صورتكِ له، لا يدوم إلا قليلاً، حركة بسيطة بجناحيه و يصبح حراً.

دائماً أود الاتصال بكِ، لكني اعرف أنّي لا أجيد الحديث في الهاتف، و أنّي سأقول: “و شو عاملة؟ و كيف كان يومك؟….” و أكررها بشكل يثير شفقتكِ.

من المحزن أن يكون المرء أحمقاً، لا أكتمكِ سراً: أود أن اكون فتىً دمثاً، جذاباً، و معشوقاً أيضاً.

كان عليّ أن أتدرب على ذلك عندما كنت أكثر شباباً و حيوية، لكني لم أتدرب إلا على الحرب و لم اعرف من هذا العالم سوى بأسه. ليس لذلك معنى الآن و لا داع للمحاولة، فقد فات الأوان، أنا نادم على ذلك فعلاً.

أتعلمين! يجدر بكِ الكتابة لي.

إسماعيل أبو شميس
قزوين
20/أيلول/2011

عزيزتي غزة

19/09/2011

أنا الآن في القاهرة و سأكون في قزوين بعد ثلاثة أيام، ربما أجد رسالة منك عند وصولي إلى قزوين، لدي إحساس أنها تنضج على مهل في صندوق رسائلي، سوف أجد لها مذاقاً آسراً و سأجعلها تقول لي الآلاف الأشياء التي لم تقوليها لي أبداً.

فأنا اقرأ رسائلكِ بخبث، أبحث فيها عن التكشيرة و عن النبرة و عن الابتسامة.

لا أكتمكِ سراً أني شعرت بالإذلال بعد زيارتي الأخيرة، فأنت لم تسمحي لي باحتضانك، لم يكن أمامي سوى الجلوس بهدوء إلى جانب بحرك، عَلّي افهم بالإلماع لغته الخفية، و تنهداته المليئة بأسرارك.

أنتِ تلومينني لأني لا أتملق أناساً كنت أجد متعةً قصوى في السخرية منهم!؟ صدقيني هؤلاء الأشخاص هم من كانوا يسرقون مني وجودك، هل تطلبين مني تقبل إذلالك بإتضاع!؟

اعترف انك قد روّضتني لدرجة أني صرت متواضعاً جداً، و اعرف انه من الجيد للمرء أن يستسلم للترويض، لكنك ستكلفينني جراء ترويضك هذا أياماً تعيسة أخرى.

لست متأكداً من أني سأتحسر عليك في المستقبل: فأنا لم اشعر في زيارتي الأخيرة أنّي في بيتي، أصبح للناس فيك مشاغل كثيرة لم أتعاطاها، كم كان نبيلاً من قبلهم أنهم أعطوني أجزاء من وقتهم، لم اشعر للحظة أنّ لي فيك مكان مرئي، وقد لمست هذا بشكل موحش.

أريد أن اعترف لكِ بأنه و برغم كل شيء، إلا انه قد كان لي فيك ألف سبب و سبب يجعلني سعيداً، فشمسك كانت تنشط و تفتح أحلامي الأكثر تردداً، و صوت بحركِ كان يُمغنط روحي، فيكِ كنت اشعر أنّ أحلامي أكثر واقعية من كثبان خانيونس.

ليس لدي الكثير لأقوله، لأنّ حياتي بعيداً عنكِ ليست سوى منعطفات أمرّ بها بأسرع ما يمكن، فنادقُ جميعها متشابهة. أنا شقيٌّ بك و بعيداً عنكِ يا شقية.

حبيبتي اشعر باليأس من عدم قدرتي على التعبير عن مشاعري تجاهكِ، كلماتي تضيع في زحمة كلمات من يطلبون ودكِ، و يدّعون عشقك، ما عدت مرتاحاً لشيء، و ما عدت واثقاً من شيء، ما عدت واثقاً أنّي في القاهرة، و ما عدت واثقاً من زيارتي لكِ، أريد فقط أن اذهب إلى سريري لأحلم بكِ.

إسماعيل أبو شميس
القاهرة
مساء 13/أيلول/2011

نداء الإبتداء

06/09/2011

انهض يا رفيق
دع عنك هذي الكتب
دعنا نتمشى داخل امتداد الوقت
نعاين جمال الأزهار
نصغي إلى صوت الإبهام
نعدو حتى نهايات الأشياء
نفنى في رائحة الأرض
نصل إلى ملتقى الشجرة بالله
نستريح هناك… إلى جانب الرحابة
انهض يا رفيق
نمسك بيد الثواني المترددة
نذهب إلى ذلك الركن البعيد من اليوم
لننام على يد النور
الى النور يا رفيق
فعيناك لم تخلقا لتزيين العتمة
انهض يا رفيق
فالطريق تنادي اقدامك من بعيد

 
إسماعيل أبو شميس
خانيونس
فجر 06/أيلول/2011

ميتافيزيقيا القهوة

27/08/2011

لِمَ يضيق قلبك؟ المباهج ليست قليلة؛ فنجان هذا الصبح، ذلك البحر، و الطفل القادم بعد يومين

اشرب قهوتك يا رفيق
اشرب القهوة
سَترى لا توجد ميتافيزيقيا في الكون تضاهي القهوة
سَترى كل التعاليم لا تعلم أكثر مما تعلمه القهوة
اشرب و أعطنا أسماء واضحة للأشياء… فأنت مُعلَّم
اشرب و التقط الغيب  فلا سجاف
اشرب فخير لكَ ألا تنام، من أن تنام إلى جوار أوراق نصف مكتوبة
بقدر المزن يضيق قلبك؟!
اشرب و افتح قلبك للكلمات و أمطر
عاين ذكاء الأشجار المحزون
اجمع جمال الأرض
فسر للمرآة انحناءات الوقت الشاعرية
اشرب قهوتك يا رفيق

إسماعيل أبو شميس
خانيونس
فجر 27/آب/2011

حماسة اللحظة العاجزة

19/08/2011

“بدنا نقعد يا أبو علي / قريب يا عمدة / بنفعش قريب بدنا نقعد قبل العشر الأواخر، الجمعة كويس؟ / و هو كذلك” 14-آب-2011

كنت أؤثر لو اقطع قطعاً صغيرة على أن اكتب في حضرتكم. لكن السنين تمنح المرء وقاحة، ممرات جديدة، أو ربما هي شيخوخة القلب.

معذرتي الوحيدة بين يديكم، حماسة اللحظات العاجزة، الحرقة اللاذعة تصيب قلب من جلس الليلة بأكملها إلى وسادة طالما اتكأ عليها صديق ينزل الآن القبر لينام مع الموت على وسادة واحدة.

ليتني أخوك الأكبر أو أبوك أو أي احد من أقاربك، لأكون آخر من يضع يديه على جبهتك، و يلمس أجفانك!

أقف أمامك خجلاً كسارق يريد أن يتوارى بالظلام، و لا ظلام.

فاسمح لي بالكلام بين يديك، ليس ما أقوله شريراً يا صديقي، ليس من العدل أن تعاقبني هكذا بكل بساطة مقابل كسلي البسيط بكل هذا الفراق المباغت.

أضناك الليل! فلماذا تركتني وحدي تتراءى لي الأرض نعشاً و السماء كفناً يدور فوق رأسي، لا ادري أحيّ أنا أم ميت قضى منذ زمن بعيد، كل ما افعله أنني أبقى!

و أبقى هنا و أبقى … أنا من يريد الرحيل دائما، و دائماً يبقى، دائماً يبقى، حتى في حقل الموت يبقى، حتى لو ما عاش يبقى، يبقى، يبقى.

إسماعيل أبو شميس
مقبرة شهداء رفح
19/آب/2011

اعترافات بين يدي الحبيبة

18/08/2011

خانيونس - منطقة المواصي - صباح 18- آب-2011

انظر إليكِ فيتولاني افتتانٌ به ينقلب الزمن و المسافة سائلاً متحركاً، أو عباباً متموجاً، يحملني تياره إلى حيث لا ادري من عوالم الأوصاب النوستالجيّة.

كل مشهد فيكِ، ينفحني بتأملات زرقاء، خضراء، و ذهبية، تحوم حولي تارة، و تارةً تجثم فيَّ متعاونةً مع الذكريات، موصلةً إيايَّ أعتابَ شعورٍ لا اعرفه، فأكاد اسمع دقات قلبكِ، و صدى أنينكِ، فأدركُ انك شقية، شقية باضطرابك و همومك.

و أدركُ انه قد قدر على محبيكِ أن يتألموا أضعافاً، فسحركِ انك تُبرزين في نفوس محبيكِ روحَ التيقظ و الكتمان.

إسماعيل أبو شميس
محررة نفيه دكاليم
صباح الثامن عشر من آب اللّهاب – 2011

البداية و النهاية – لابن قليل الغزيّ

08/08/2011

المشهد

“استثمارات سياحية و ترفيهية ترتفع وسط غابة الاسمنت كالفطور الضخمة. أصناف جديدة من المتشردين الأنيقين ذوي اللحى المشذبة بعناية، خرجوا أخيراً من منبذهم الوطني يجوبون بسيارتهم الفارهة شوارع غزة الخربة في مشهد مهين للبصر”

بحدسها الأمومي الفريد، سبرت أمي إرهاصات الحلم الفاوستي في نفسي، فحاولت توجيه حلمي الكبير ليأخذ شكلاً پرومثيوسياً، من خلال إقناعي بأنة و من اجل التوصل إلى مستوى قيادي معين فلا بد للمرء من صقل مواهبه و ملكاته، و من التعلم، و ممارسة مهنة، و من ثم التحول إلى شخصية عامة و مسئولة.

في مقابل المثال الذي حاولت أمي زرعه فيّ، وجدت نفسي واقعاُ في شبكة محكمة من العلامات التي تردني من الحياة، من المدرسة، من الشارع، من السياسة، و من الحماقة التي تصارع روحي الصغيرة طوال اليوم، وجدت الكذبة تندرج في قاطرة أفكاري، في مفاهيمي، في سُدى أفعالي و تلاحقني في آخر معاقل وعيي، لتشكل بكيفية ما رؤيتي الثانية للعالم

قصف الوعي الذي تعرضت له في أواخر التسعينات حطم احكم بُنى التربية و قواعد السلوك الاجتماعي السليم من نفسي، فالحقيق كان أقوى في إعلان نفسه لي من كل مثاليات التربية.

اليوم و بعد أن هاجمني المشهد الذي صدرت به تدوينتي، احاول البحث في الطبقات الاركايولوجية التي شكلت الوعي الذي أفضى بي إلى كل هذا التصعلك، و جعلني منحرفاً عن ذاتي، منحرفاً عما يُظن أنني أجسده و يناشدني من كل الجهات.

مع بداية تشكيل السلطة الفلسطينة، و عبر أحد الأجواء الأكثر إفساداً و الأكثر انشحاناً بالعواقب، شهدت كيف اكتسب  الثوري، حياةً ثانية، مضافةً إلى وظيفته الأصلية، أفضت به إلى التحول إلى شخص لا يحتفظ من أصله إلا بعلامات الانحطاط الصارخة المماثلة لتلك البثور القميئة على جلد حزبه، التي نددت بحزن كبير بالحلم الجميل الذي حلمناه بالأمس.

و بعد أن فرغت السلطة الجديدة التشكيل من خفض القيم الثورية إلى شكلها الكرتوني، بدأ الأثر التفكيكي لحقل الاختلالات الغزيّ بفرز طبقة المستوطنين المحليين، موصداً الباب في وجه القطاع الأكبر ممن يعوزهم فن الانتهاز، في وجه الفلسطيني النمطي، المعذب المتألم، الموقوف حياً، المؤهل للانتحار أو التصعلك.

اللاجئ و بحكم عاداته الشرسة، كانت تعوزه القدرة على العمل الناعم الذي يستلزم تدريباً رواقياً على الوقائع، تعلماً صبوراً و حتى ترفعاً معيناً إزاء ثنائيات الطيبين و الخبيثين، الأخوة و الأعداء. أخذ يصرخ: يا لاجئي فلسطين اتحدوا! اللاجئ من يظل وفياً لبؤسه، هذا الطلع الزائف المأخوذ بمظاهر السلطة الخداعة استحال إلى نسيج غريب يرفضه الجهاز المناعي للمخيم.

إلا انه و في نهاية الأمر، أبدى اللاجئون ترفعاً نبيلاً عن توجيه العمل إلى مستوطني الدرجة الثانية، فصبوا جام غضبهم على العدو الأول فكانت الانتفاضة الثانية، كان لسان حال الواقع يعلن قائلاً: “يمكن للمرء أن يكون عدماً و بطلاً في آن”. إذ يكفيه الانخراط في نادي الشهداء المحتملين، فهذا الانخراط يريحه من كل جهد و يعفيه من كل موهبة. و لو شاء له حسن الطالع أن يُسجن شرط أن يخرج بطلاً مجيداً لأصابه أعظم الانتصارات، فالسجن يغدو تمهيداً و مدخلاً لكل بطولة، يغدو الدكان الذهبي لكل نجاح اجتماعي و سياسي.

و في ظل هذا الفضاء الطافح بالأبطال، و في إجراء يشبه إلى حد بعيد عملية الكي، تخلص المخيم الغزيّ من فيروس السلطة الذي صرفنا عن حقيقة كوننا نسكن البرزخ ذاته لا فرق بين كوننا مستوطنين محليين أو لاجئين نمطيين.

اليوم و بعد أن أتعبتنا الحرب و أضعفت جهازنا المناعي، الفيروس الأول يظهر بشكل طاعوني بعد أن أعاد إنتاج نفسه من خلال طفرات مقاومة و مقدسة في  آن واحد.

غوائية السلطة مرئية حتى في اظلم أزقة مخيمات غزة، لا احد ينفلت من عقالها، يغرق فيها حتى الشهداء المحتملون، الذين يفترض أنهم يمثلون مملكة الله على الأرض.

المقاومة بشكلها الأكثر خواءً صارت ديناً، و ها هي تقيم نظامها الشيطاني الخاص بها،  و ترغم قوائم الشهداء المحتملين على الدخول في مغامرة غريبة عن علة و جودهم، يحرقون فيها أجنحتهم.

و حتى هذا المشهد شديد التأين و المشحون بكل الهذايانات الثورية و ذهانيات الاستشهاد و عصاب الثوابت و الهوية، مرشح للانسحاب لصالح انتهازية أكثر ضراوة.

اطراف مقبرة شعداء خانيونس

غروب يوم 6-8-2011، اطراف مقبرة خانيونس

لهذا و لذاك، و متمسكاً بخيوط الأمل الدقيقة، و هارباً من عربدة الصور المفزعة، ها أنا أتجول بين قبور أحياء الأموات خائفاً من كل شيء، أخاف ظلي الشخصي، أخشى أن اخسر كل شيء، بما في ذلك كبريائي، و حبي لذاتي، اللاشيء يظللني: ابتسامه صعلوك ثمل بخمر السلطة، نظرة تآمرية من تاجر الفصول الأربعة. بعد موتى أخشى أن أكون الشاهد الوحيد على بشاعة قتلي.

إسماعيل أبو شميس
مقبرة شهداء خانيونس
غروب يوم 6/آب/2011

حنق – و ظل جرح الانقسام مفتواحاً

06/08/2011

المشهد
“الشعب الفلسطيني منقسم إلى مجموعتين متعاديتين بواسطة وصفات عجائبية، و وعود ليس لها أي مضمون للتحقيق. يتخلل المشهد مجموعة من الشباب لم تجرفه بعد تيارات الاستقطاب الحزبي، وجد نفسه واقعاً في هوة سحيقة، بين قطبين متباعدين يتدافعا فيشوه احدهما سعي الآخر، فخرج من منبذه الافتراضي صارخاً “الشعب يريد إنهاء الانقسام”

مما لاشك فيه أن الإعلام الجديد قد روض الأجيال الشابة على الشعور بالحنق و الاهتياج، لكن الحالة الشواشية أبقتهم خارج دائرة الفعل، و لم تتح لهم أكثر من رؤية سديم إشارات نافلة، و هذا يفسر جنوحهم العفوي إلى اللهو بهذه الإشارات: فهم يحبون الإثارة المنبعثة من الغبار السديمي الذي قد يخفي خلفه أملاً بالتغيير. لكنهم في نفس الوقت مصابون بپارانويا الصُم الذين يرون من حولهم شفاهاً تتحرك دون أن يقدروا على إدراك معنى الأقوال، فيعتقدون بوجود مؤامرات تحاك ضدهم.

لا يساورني شك في نبل و وجاهة التحرك الشبابي، لكنه يبدو في نظري كركب مسافرين إلى بلد لا يفهمون لغته.

إن الشعار الذي رفعة الشباب رغم حقانيته، يظل بدائياً و حشوياً من حيث كونه لا يترافق مع تحليل نقدي، و لا مع نظرة إلى المستقبل. فهو لا يأخذ بعين الاعتبار جنالوجيا الانقسام، و لا كيف حدث أن نماذج الحلول نفسها تتكرر بغباء و وتيرة متصلبة؟ و كيف باءت بالفشل المجهودات الأكثر كدحاً و ثناءً؟ و لا من أين جاء هذا الفشل الذي يجعل مياهنا عسرة إلى هذا الحد؟

مصادر الانقسام لا يمكن إزالتها بحل وسط، لان كل تنازل لخطأ واقعي يخلق فقط مزيداً من التوقعات الغير قابلة للتحقيق، فإستراتيجية التلفيق القسري سرعان ما تعود و تصفع وجه صاحبها مؤكدةً بأن الرافضين الحالمين أنفسهم هم أسرى_دون علم منهم_لنسخة أخرى من الحلقة المعيبة عينها.

لا يكفي اكتشاف قبح الواقع و رفضه الانفعالي الرائج جداً اليوم بعد أن زودتنا قناة الجزيرة بالأدوات السوقية اللازمة لذلك.

قبل كل شيء يتعين علينا أن نعرف كيف نطرح المسائل، ينبغي الانفلات من الواقع الفارغ للأسئلة التي تنتمي إلى حاضر بالغ الأوزار و الأعباء، نرفض مكانيسماته المفسدة، نتحرر من دوائرة، نطرد سطوته من وعينا بكيفية ما، لنغدو، بذلك مثل زهرة النيلوفر في البهاڠڤاد ڠيتا، التى تظل سوية، متعالية فوق المستنقع، على الرغم من التصاقها بالوحل.

لم يعد يكفي الحدس و الحس الجماهيري، و الشحنات الانفعالية، و الحلول الغيبية الكبرى، لا بد من المعرفة و الاطلاع و امتلاك أفق معين، و لا مناص من تراجع معين، باختصار لا بد من الاستعلام.

في حضرة فلسطين التي أنهكتها المغامرات في غوامض التاريخ، يتعين أن يعرف المرء عما يحكي، و ماذا يريد حقاً، و بأي سياق يرتبط؟

باختصار: هنا لا بد من حيازة الخرائط الدقيقة، الأفكار الواضحة، و الحقائب الفكرية.

و بالإجمال: لا بد من ارض صلبة، من قاعدة وجودية.

إسماعيل أبو شميس
خانيونس
6/آب/2011